Algeria Leaks

أصبح الفضاء العمومي الذي احتضن حركية مسيرات الحراك الشعبي يحمل مساحات الأمل، ويشكّل مشروعاً للتغييرين، السياسي والاجتماعي، وضاغطاً لتكريس التداول السلمي على السلطة، وفق ما يرى الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية والباحث والمترجم سماعين جلّة.

ويقول جلة في مقال يرصد مزايا الحراك الشعبي إن أمكنة التجمهر والتظاهر أصبحت مساحةً للمحاججة السياسية (القانونية والدستورية كذلك) المنفتحة على “العامَّة”، والرامية إلى تغيير طبيعة هيمنة السلطة. إذاً، أصبح “احتلال” المكان تعبيراً عن القوة والحضور السياسي ضمن علاقات قوى تتمفصل بين المجتمع المدني والسلطة السياسية.

ولقد أمكن لقوة الاندماج السياسي للتضامن أن تتصدَّى بشيءٍ من الإرادة والعزم والأمل للسلطة المُكتسحة حياة الجزائريين، لما جاوز العشرين سنة تحت حكم بوتفليقة، كما يرى جلة، وهذا نص المقال:

أوَّل انطباعٍ سجَّله الرأي العام الدولي، ومختلف القنوات التلفزيونية، عن الحَراك الشعبي في الجزائر، المُطالب بعدم ترشُّح عبد العزيز بوتفليقة لعهدةٍ رئاسيّة خامسة، واستقالته قبل نهاية عهدته الرابعة، هو سِلمية هذا الحراك، وخروج المتظاهرين بأعدادٍ هائلة في كل ولايات البلاد، فاقت عشرين مليوناً، ملأوا الساحات والشوارع والفضاءات العمومية. والأمر الآخر تناغم كل هذه الفئات المجتمعية وتجانسها، على الرغم من اختلاف توجُّهاتها الإيديولوجية والعرقية والسياسية والطبقية، ووحدتها لخوض معركة إسقاط عهدة بوتفليقة ونظام حكمه، فقد اصطفَّت كل هذه القوى المجتمعية والسياسية في صفٍّ شعبيٍّ واحدٍ، معلنةً قدرتها على صنع ديناميكيَّة تاريخيَّة جديدة للجزائر، خارج ديناميكية الاستمرارية التي طالب بها الرئيس بوتفليقة وأنصارُه. وقد ساهمت الشعارات المرفوعة في هاته المسيرات في صنع لغة تواصلية بين مختلف الأجيال، القوى، الطبقات، الإيديولوجيات والفواعل، وإحداث حالة من التضامن بينهم، لم تشهدها الجزائر منذ إعلان الاستقلال في 1962. هنا محاولة معاينة آثار هذا الواقع التضامني الجديد الذي صنعه حراك الشعب منذ جمعة التظاهر الأولى في 22 فبراير/ شباط 2019.

قبل مباشرة هذا المسعى، يجب الاعتراف بأن السلطة السياسية التي كانت قائمة كرّست سياسات عديدة، تشيع الفرقة بين شرائح المجتمع الجزائري، وتزرع بينها سلوكات التخوين والانقلاب وعدم الأمانة، فلا يمكنك إلا أن ترى داخل مؤسسة جامعية أو مستشفى أو إدارة عمومية حجم النزاع والصدام الحاصل بين الموظفين، وأن تجد استعمال القانون وتكييفه من كل فريق لمواجهة الفريق المنافس. تضاف إلى ذلك الصراعات القَبليَّة والجهوية والعرقية والإيديولوجية التي زادت في شدّتها الصحافة والإعلام التابع. وقد عرف المجتمع تغيُّراً نوعيَّاً ينحو إلى الخصام والفُرقة بين جميع أطيافه في حالةٍ مرضيَّةٍ، لم يعرفها حتى أيام العشرية السوداء. كما أصيبت كل جمعيّة أو نقابة أو منتدى بهذه الحالة، ما أثَّر سلباً على نشاطاتها ودورها الاجتماعي لتحقيق المطالب الشعبيّة ومعارضة السياسات العامة غير المجدية، أو مناهضة القوانين التعسفيّة.

امتلكت السلطة في الجزائر اليقين بأن صفوف الشَّعب لا يمكنها أن تتحد في مبادئ قيميّة،

“السلطة السياسية التي كانت قائمة كرّست سياسات تشيع الفرقة بين شرائح المجتمع” ورؤى مشتركة، تستطيع بها تغيير الواقع والسياسات، فالسلطة راهنت على أن القوى الشعبية ليس في مقدورها إحداث الإصلاحات والتَّحولات في الدولة والمجتمع، بينما كانت السلطة نفسها قادرةً على كسب الولاءات، وكبح مشاريع التغيير، من طريق العلاقات الزبونية وشبكات المال السياسي والإعلام التابع، فقد نجح الرئيس بوتفليقة في الاستمرار في الحكم بتوظيفه عناصر متعدّدة، وإقامته تحالفات جدّ معقدة. ولكن، على الرغم من أن هذا الواقع استمرّ عقدين، استيقظ الرئيس وحاشيته على قوّة شعبية عملاقة كقوّة الطوفان، سحبته من قصر المرادية، فبوتفليقة وكل من دعمه لم يراهنا على قدرة مسيرات الشعب على إزاحتهم، تماماً مثل الذي ينظر إلى الطوفان أو أمواج البحر من بعيد إلى أن تقترب منه، فيدرك جبروتها وقوّتها المدمّرة، وهناك يكون الأوان قد فات على الهرب أو البقاء على قيد الحياة. قد يحمل معه هذا الطوفان في حركَته أشياء يمكن لبعض هاته المكوّنات التشبُّث بها والنجاة، بعد غرق سفينتهم التي يديرها ربّانٌ مريض.

الجليّ أن هذه المسيرات المنظَّمة والممارسات الشعبية المتناغمة ضمن هذا الحراك التاريخي، لم تكشف فقط عن قيم التضامن والتآزر، بل جعلت الفضاء العمومي يلتقط لحظات التغيير، ويحفظ ممارسات التضامن، ويختزن رمزيّتها، فيسجّلها ضمن ذاكرات التاريخ والوطن، والشارع كذلك. لقد أمكن لهذا الفضاء أن يمحو كل ما ترسّب على هذا الشارع من إهمال وغياب وخوفٍ، من عنفٍ وسلطوية، وقيم فردانية تفرضها حياة المدينة، ليُفسح المجال لقيم جماعيّة ومدنية، تعبّر فعلاً عن حقيقة الشعب الجزائري، فقد تزيّن هذا الفضاء العمومي بالأعلام الوطنية، الشعارات، الاستعراضات، الرقص، المسرح الصامت، الألعاب، تقديم الأكلات الشعبية وغيرها من التعبيرات الجسدية والممارسات الصوتية، والتجليّات الحضارية والحضرية.. ولا يعبّر ذلك فقط عن سلوكٍ سلميّ منظّم، بل هي ممارسات تستبطن وحدة الشعب في التعبير عن كينونته، واسترجاع حضوره المغيّب منذ أحداث أكتوبر في 1988 وسنوات التسعينيات. وهذه الاحتجاجات ما هي إلا شرارةُ تغييرٍ أطلقتها الجماهير المنتفضة، وأشعلت فتيلها بعود ثقابٍ واحد، تحمله يد الشعب الواحدة، يدٌ قرّر أن يضرب بقوّتها خصومه، ويصنع مصيره بنفسه، ويفرض سيادته.

بدون الوقوع في شيءٍ من الأمْثَلة لهذا الحراك، يمكن التأكيد أنه يفتح الأعين على الديناميكية الداخلية للثقافة الشعبية التي تجلّت داخل الفضاء العمومي، وهي ثقافةٌ ينطبق عليها وصفٌ كان الفيلسوف الألماني هابرماس قد ذكره، من حيث أنّها: “ليست شيئاً ثانوياً أو وسطاً غير فعال داخل الثقافة المهيمنة، بل هي تمرّد، متراجع دوريّاً، قد يأخذ صورة عنيفة أو هادئة. هي مشروع مضادّ في مواجهة عالم السلطة التدرّجي ومناسباته الرَّسمية وانضباطه العادي، وهذا ما يجعلنا نطّلع على الآثار المخالفة التي تحدثها عمليَّة الإقصاء التي تكبت وتكبح، ولا يمكن بأي حال السيطرة على هذه الآثار”. إذاً، أمكن لفضاء عموميّ شعبيّ ومتجانس إنتاج الفضاء العمومي السياسي، وهو فضاء ديموقراطيّ بات يستوعب، بشكل سلمي، الصراعات التي يتركها واقع اجتماعي – سياسي شديد التعقيد.

ومن حيث جنوسة الحراك، أزالت التظاهرات فكرة المجتمع الذكوري، الذي يرفض أن تكون المرأة جزءاً فاعلاً داخل الفضاءات العمومية، حيث تُشاهد نساء وفتيات عديدات، بمختلف 

“أزالت التظاهرات فكرة المجتمع الذكوري الذي يرفض أن تكون المرأة جزءاً فاعلاً داخل الفضاءات العمومية” أعمارهن، يتقدّمن الصفوف، ويحملن الرايات، يصفِّقن، يهتفن، يرقصن أو يمشين آلاف الأمتار. ويساهم هذا الحضور فعلاً في “تأنيث” هذا الفضاء وحصر الذكورية التي كانت تطبعه، إما بفعل تقاليد مترسّبة أو ثقافة (ات) متوارثه. استعادة المرأة الجزائرية التي تزيّنت بأزياء مختلفة وتعبيرات متنوعة، حضورها الطبيعي داخل الفضاءات العمومية، جعلها ترسم صورة رائعة عن جمال المجتمع الجزائري وجمال المسيرات. والملاحظ أن جزائرياتٍ لم يجدن حرجاً في أن تُلتقط لهنّ صور، وأن يتداولها ناشطون آخرون على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، ووصفوها بـ “حسناوات المسيرات”. بل شجعهنَّ ذلك على أن يتزيّن قبل كل جمعة حراك، وأن يصنعن شعاراتٍ، ويشكّلن مجموعات تثير انتباه الأنظار في خرقٍ نسبيّ لحدود المألوف.

أبرزت هذه اللحظات بشكل جليّ استعادة المرأة الجزائرية حضورها الاجتماعي في الفضاءات العمومية التي اعتبرت دوماً حكراً على الذكور، وقد صنعت هذا الحضور منذ سنوات بشكل تدريجيّ في الوظائف العامة، مدرجات الملاعب، أو بغناء الراب وأداء المسرح، ومن خلال الوجود في بعض المقاهي والنوادي… إلى غير ذلك من التجليَّات، ليتجسَّد الحضور بشكله الكامل خلال المسيرات، ولتدخل المرأة الجزائرية في تجارب بسيكو – سياسية جديدة، وتصنع مشاركتها الفعَّالة والمتساوية في صناعة الرأي العام، وتوجيه الإرادة السياسية وممارسة المواطنة. وفي نقلٍ لمشهدٍ جميل، بُثّت لقطات تلفزيونية تغطّي فتح امرأة منزلها لدخول متظاهرين، مجهولين على الأقل بالنسبة لها، من أجل تناول وجبة غذاءٍ، مع السماح لفريق التصوير، هو الآخر، بالدخول ونصب الكاميرات لنقل هذا الواقع على المباشر. لا تعبّر هذه الحالة سوى عن كسرٍ تامٍّ للحاجز الفاصل بين الفضاءين، العمومي والخصوصي، ورمزيَّة على أن هذا البيت غدا أكبر، منفتحاً على كلِّ الوطن.

ممارسات أخرى عديدة أبانت عن منطق ثقافيّ كامن، تختزنه هذه الجموع، وتحمله في نفسيّاتها وأفكارها وتوجّهاتها، فعلى الرغم من أن الحراك يفتقد لإطارات وشخصيات نخبوية تمثّله، وترسم له مساراته، كما يحدث غالباً في كل المجتمعات الثورية، إلا أنه حراكٌ تحرّك بقوة تنظيم ذاتيّ، وبتوافق وترابط وانسجام جعلت الكل يتساءل: من وراء هذا الحراك؟ نحن أمام قوّة تضامن وخصائص اتصال تصنع يوماً بعد يومٍ قوةً ضاغطةً على النظام، وتنتج آلياتٍ لا عنفية لتغيير الأوضاع والسياسات، والانتقال من لا مركزية التنظيم إلى مركزية المطالب، على الرغم من أن هذا الانتقال محفوف بالتدخلات والتحولات التي قد تقلبه إلى حالته العُنفية. والأهم أن هذا الحراك لم يكن إنتاجاً قرّرته النخب وفواعل التغيير الأساسية، بل كان هَبّة شعبية ويقظة، كشفت عن مدى قصور الخطابات النخبوية، وعن قوة منطق الجماهير على منطق “واضعي استراتيجيات” الانتقال، فالحراك أصبح ميدان المعرفة الاجتماعية والسياسية، ولربما هو ما دفع أساتذة الجامعة في العاصمة وولايات أخرى إلى أن يفتحوا منبراً حراً ومنصة في الهواء الطلق، بالقرب من ساحة البريد المركزي، لإلقاء الخطب وتبادل المحادثات والاقتراحات السياسية. لقد أصبح الفضاء العمومي فضاءً لتلاقح ما نسمّيه الخطاب العلمي، أو الخطاب الأكاديمي، مع الخطاب المسمّى شعبيّاً، وأثبت أن تلك التقسيمات بين الثقافتين (شعبية وأكاديمية) مغالِطة وغير دقيقة. أو أنه نبّهنا إلى عدم جدوى أفكار التغيير المطروحة من النخب، ما لم تصل، زمنيا ومكانياً، مباشرة إلى مستقبليها ومنفّذيها.

اللافت أيضاً خروج كبار السنّ ومشاركتهم في هذه اللحظات التاريخية في حياتهم، وفي تاريخ الجزائر، فقد تحمَّلوا عناء المشي من نقطة ابتداء المسيرات إلى نهايتها. والأمر الآخر رفع 

“اللافت أيضاً خروج كبار السنّ ومشاركتهم في هذه اللحظات التاريخية في حياتهم، وفي تاريخ الجزائر” المتظاهرين صوراً عملاقة تحمل رموز النضال الجزائري من الشهداء، العربي بن مهيدي إلى بن بولعيد إلى الرئيس المغتال محمد بوضياف. ويمكن اعتبار أن هذه الرمزية تفصح عن أمريْن: الإحساس بتضامن وانتماء وطني شبيه بمسيرات استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي، غير أن المسيرات الحالية هي تعبير عن الإحساس ببداية التحرّر من سلطة مطلقة وفساد طاغٍ. أما الرَّمزية الثانية فهي وجود تضامنٍ جيليٍّ بين جيلٍ عايش مرحلة الاستقلال مع جيل معاصر، لطالما كَرَّست الخطابات السائدة أنه معزولٌ عن ذاكرته وثورته. ولذلك، كان الحراك رسالةً واضحةً قدّمها هؤلاء، تفيد بأن المجتمع الجزائري يميّز جيداً بين شرعيتين ثوريتين، حقيقية تشكلّ مرجعاً للدولة ومجتمعها، وينبغي الحفاظ عليها، ومزيَّفة استأثرت بالسلطة بخطاب مزيف، وينبغي عليها المغادرة. وكأن الشارع أصبح حلبةً لصراع الحقيقي والمزيف، الشرعي واللاَّشرعي. كما صنع الحضور الجسدي لأيقونة الثورة، جميلة بوحيرد، ضمن هذا الحراك بعداً معنوياً ورمزياً للحراك السياسي – التاريخي.

كذلك، رفع المتظاهرون شعار “جيش شعب… خَاوَة خاوَة” (أي إخوة إخوة) أرادوا منه تفادي أيّ مواجهات عنيفة مع قوات الشُّرطة والدَّرك الوطني. كلّ مكوّنات المجتمع الجزائري تتذكر جيّداً ما آلت إليه أوضاع الجزائر في أثناء ما سميت “العشرية السوداء”، بعد اصطدام قوات الجيش مع المعارضة المسلّحة وبعض الفئات المجتمعية، التي انخرطت في العمليات الإرهابية، وبعد فشل تحقيق الانتقال الديموقراطي بالطرق السلمية. وقد بيّن هذا الحراك اشتراكاً في الرؤية والإرادة بين المؤسسة العسكرية وفئات المتظاهرين على إدارة هذا الحراك بسلمية. وعلى احترام القانون وتكريس الاحترام المتبادل، من دون أن ننكر وجود شعاراتٍ طالبت الجيش بعدم التدخُّل في الشؤون السياسية بعد نجاح إزاحة بوتفليقة. على الرغم من ذلك، أثبتت هذه المسيرات الكبرى التي أصرّت على رحيل النظام، ذلك الاحترام الذي بات يكنّه الشعب لأفراد الشرطة والدَّرك، وذلك التوازن بين المدني والعسكري، بل ليعتلي المدني مكانته الحقيقية. كما مكّنت المسيرات قوات الشرطة من إعادة ردّ الاعتبار، بعدما منعت بالأمس القريب فئاتٍ كبيرةً من المطالبة بإصلاح أوضاعها، وذلك بحكم قانون منع التظاهر في العاصمة.

سمحت ممارسات عديدة شهدها حراك الأمل والغضب بتشكيل ذلك التوافق بين الفئات المدنية والعسكرية (كانت القوى المساندة لبوتفليقة تخشاه)، فيمكن مثلاً أن تُرى جموع غفيرة تنساب كحركة النهر في واحدٍ من شوارع العاصمة تنتظرها في نهايته قوات الشرطة، التي تأهّبت لمنعها من المرور إلى الشارع الآخر الذي يؤدي إلى قصر الرئيس في المرادية، غير أن متظاهرين وضعوا طوقاً بشرياً على هاته القوات، لحمايتها ومنعها من الاحتكاك مع المتظاهرين القادمين. فكما الشرطة تحمي الشعب، فالشعب يحمي الشرطة هو الآخر. بل حتى 

“الفضاء العمومي الذي احتضن حركية هذه المسيرات أصبح يحمل مساحات الأمل، ويشكّل مشروعاً للتغييرين، السياسي والاجتماعي” إن أفراد الشرطة قد تلقوا الورود من بعض النساء، ما جعل نعومة الورود تذيب صلابة القوّة.

الحاصل أن هذه المسيرات كشفَت، ولا تزال، عن سوسيولوجية السلوك السياسي للفرد والجماعة في الجزائر، وكشفت أيضاً عن الإمكانية النَّقدية للشعب إزاء أفعال السلطة وخطاباتها، بل كل الفاعلين السياسيين، الثقافيين والإعلاميين. فلم يَعُد الجمهور مجرد متلقّ سلبيّ للخطاب، بل بات هو من يصنع خطاباته وشعاراته، وينتقل بها من ساحة الافتراضي إلى الميادين الواقعية. هاته الميادين التي أصبحت مكاناً للشعور الجمعي بالواقع السياسي المعيش وفضاءً للتنظيم الاجتماعي الذاتي، فالاندماج الاجتماعي لم يعُد مزاج نظام حكم ولا ضبط إجراءات وقوانين، بل إرادة تصنعها الذوات المجتمعية، وتصنع من خلاله فعلها الديموقراطي، الحوار والائتلاف.

تفضي هذه الوقائع والمظاهر إلى القول، إن الفضاء العمومي الذي احتضن حركية هذه المسيرات أصبح يحمل مساحات الأمل، ويشكّل مشروعاً للتغييرين، السياسي والاجتماعي، وضاغطاً لتكريس التداول السلمي على السلطة. لقد أصبحت أمكنة التجمهر والتظاهر مساحةً للمحاججة السياسية (القانونية والدستورية كذلك) المنفتحة على “العامَّة”، والرامية إلى تغيير طبيعة هيمنة السلطة. إذاً، أصبح “احتلال” المكان تعبيراً عن القوة والحضور السياسي ضمن علاقات قوى تتمفصل بين المجتمع المدني والسلطة السياسية، ففي شوارع العاصمة مثلاً، يتوافد المتظاهرون باكراً من كل جهة، ليحتلُّوا المكان الذي يصنعون فيه مشروعهم الجماعي والجماعاتي والوطني، ومن ساحة أودان التي أطلقوا عليها “غار حِراك” يتجمَّعون لتنفيذ مشروع التغيير الذي أمر به وحيُ الحسّ المدني – السياسي، فأمكنة التظاهر جعلت الاحتفاء بالنشاطيَّة طريقاً لتجاوز “الانتقالي” و”الحدثي” والمرور إلى مشروع مدنيّ ديموقراطيّ دائم ومستقبلٍ جزائريّ واعد، فالمسيرات بالنسبة لهم أرضيّة تُحضّر لبناء اجتماعيّ – سياسيّ ومدنيّ متوازن، يفتح الإمكانات لتجسيد التمثيل السياسي الحقيقي الذي يتجاوز البنى التقليدية في الحكم. لقد أمكن لقوة الاندماج السياسي للتضامن أن تتصدَّى بشيءٍ من الإرادة والعزم والأمل للسلطة المُكتسحة حياة الجزائريين، لما جاوز العشرين سنة تحت حكم بوتفليقة.

مواضيع متعلقة

اختيار النظام لشنين يؤكد انه لم يستوعب الدروس

Admin

“مول الكادنة” يناطح قبل السقوط المدوي

Admin

(محدث) توقيف السعيد وتوفيق وطرطاق

Admin