Algeria Leaks
تذكر واطلب الستر تقارير ملفات ساخنة

باحث: الجنرالات يريدون إعادة ترميم نظام بوتفليقة بعد تفسخه

قال باحث مصري إن جنرالات الجيش الجزائري يريدون إعادة ترميم نظام بوتفليقة القديم بعد إعادة تفسخه وبعد بروز صراعات بين مكوناته.

وقال الباحث والناشط عصام شعبان إن الجيش الجزائري لم يكن مرحبا بالحراك المعارض لترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة، وسبق أن عبر رئيس أركان الجيش، أحمد قايد صالح، عن ذلك، قبل أن يغير تصريحاته.

وأشار في مقال له بعنوان ” الجيوش والثورات العربية.. السودان والجزائر نموذجين” إلى أن الصراع في بنية مؤسسات السلطة ومكوناتها، سهّل أن يستجيب النظام (وخصوصا الجيش) لمطالب الانتفاضة وتنحية بوتفليقة. ومثلت الانتفاضة فرصةً للتخلص من بعض رموز السلطة، لتجدّد دماءها، لكن ذلك ليس معناه قبول قيادة الجيش مطالب الحراك وبناء نظام جديد، ورحيل أعمدة نظام بوتفليقة ومحاسبتهم.

وأكد شعبان أن قوى سياسية تتهم الجيش باستخدام القضاء، لإبعاد جزءٍ من مكونات النظام تحت بند مكافحة الفساد، بدا ذلك في تحقيقات مع بعض رجال نظام بوتفليقة، لكنها امتدت إلى سياسيين آخرين، وربما تستخدم لتصفية الحسابات.

وأضاف “في الوقت ذاته، ما زال الحراك يرفع مطالبه بتنحية رموز نظام بوتفليقة، وفيمن بينهم الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، إلى جانب المطالبة بنظام جديد، مبنيٍّ على قواعد ديمقراطية، يتم الاتفاق عليها خلال فترة انتقالية، بينما تريد قيادة الجيش إجراء انتخابات رئاسية بداية يوليو/ تموز 2019 على القواعد نفسها والدستور القديم، وبالتشريعات نفسها، الأمر الذي ربما يشير إلى سهولة إنتاج النظام مرة أخرى، غير أن ذلك لم يعد ممكنا، بعد الإعلان عن تعذر تنظيم الانتخابات الرئاسية في هذا الموعد”.

وعصام شعبان باحث مصري في الأنثروبولوجيا السياسية في معهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، وهو من مؤسسي اتحاد شباب الثورة وعضو مكتبه السياسي، وباحث وناشط في مركز آفاق اشتراكية، وباحث في مركز الدراسات الريفية، مدير مشروعات في مؤسسة الحق في التنمية.

وفيما يلي مقاله كاملا :

الجيوش والثورات العربية.. السودان والجزائر نموذجين

أحدثت العلاقات المتداخلة، بين الحركة الوطنية والجيوش في البلاد العربية، خلال نهايات القرن التاسع عشر، ودور نظم دولة الاستقلال خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تشوّشا في الرؤية، فيما يخص موقف الجيوش من الثورات والانتفاضات العربية التي اندلعت منذ 2010. تباينت المواقف، انطلاقا من التعميم في القياس، أو خصوصية التجربة، لتحديد موقف فكري وسياسي من أدوار الجيوش حديثا، وعلاقتها بالمجتمع والدولة والسياسة، وعاد هذا الموضوع مرتكزا للنقاش خلال الثورات العربية، وتجدّد مع انتفاضتي الشعب السوداني.

هناك منهج وزوايا في تحليل علاقات المؤسسات العسكرية بالانتفاضتين، تعتمدان على تجربة ومنهج تاريخي، مع تأثيرات عاطفية، ومواقف لحظية ترتبط بتدخل الجيوش في الانتفاضة لحظة انتصارها، وربما ما بدا أنها تنتصر لحركة الجماهير ضد المستبد. يقع التحليل المشوب بالأمل أحيانا أو خصوصية تجربة ما في مأزق، حيث لا يأخذ في الاعتبار منهج التحليل الطبقي والمصالح الاجتماعية ودوائر التأثير الأخرى التي تحدّد أدوار المؤسسات الصلبة من الحركات الجماهيرية، بما فيها الانتفاضات والثورات.

ويتمثّل مأزق استدعاء التاريخي أنه يتناسى التغيرات التي تطرأ على مكونات مؤسسات الدولة (الجيش والأجهزة الأمنية والبيرقراطية) وأدوارها، وعلاقتها بالسلطة الحاكمة، وبالقطاعات الشعبية، وكذلك موقفها من قضايا التغيير السياسي والاقتصادي، وعلاقة ذلك بمصالحها وارتباطاتها الاقتصادية والسياسية، وعلاقتها الإقليمية والدولية. وتنتج من حالة استدعاء التاريخ وإسقاطه على انتفاضتي الشعبين، الجزائري والسوداني، مشكلات عديدة، لا يساهم القياس هنا في تقديم رؤية موضوعية، كما أن تداخل العاطفة والحالة والمواقف اللحظية للانتفاضة لتحديد موقف القوى السياسية والنخب من دور الجيش سياسيا مضلل.

وقد حظيت الجيوش العربية بمكانة متميزة، وقبول شعبي، ارتبط بأدوار وطنية تاريخية، مقاومة  المحتل، وبناء الدولة وتنظيمها، ونصرة الطبقات الشعبية عبر جهاز الدولة، فتكوّن لدى الشعوب منظور أن جهاز الدولة ليس جهازا للقهر فقط، كما تنطلق المقولات الماركسية. واختلطت في هذه الأدوار، لدى قطاعات شعبية ولدى جنرالات الجيوش، الرواسب الثقافية بالتجربة التاريخية، تمثلت حديثا في خطابات عاطفية عن انحياز الجيش للشعب والثورة، وحمايته لهما، بجانب عبارات تقف على النقيض تهدّد بالفوضى والاحتراب وتدمير الدول والمؤامرات الخارجية والداخلية وغيرها.

وبحكم أن تكوينات الجيش، وخصوصا الجنود والقيادات الوسيطة، أكثر تأثرا بالأفكار الإصلاحية ودعاوي التغيير، ويملكون أدوات القوة لفرضها، خصوصا مع امتزاج آمال التغير الاجتماعي مع مقاومة قوى الاحتلال، لعبت الجيوش دورا مؤثرا في السياسة وبناء جهاز الدولة في عدة دول عربية.

وقد استمرت تجارب “دولة الاستقلال” في نجاحات وإخفاقات، لتبدأ مرحلة جديدة في السبعينيات، تبني فيها الجيوش سلطتها الجديدة، وترتيب أوضاعها، التحكّم في الدولة وعسكرتها، خفوت الخطاب القومي والعروبي، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، وبداية الانسحاب من أدوارها اقتصاديا واجتماعيا، وتعمّق أدوارها في الضبط عبر استخدام أجهزة الأمن. صحيح أن بعضها حاول إيجاد تعدّدية حزبية، بعد نموذج الحزب الواحد (تجربتا مصر وتونس نموذجا)، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى ديمقراطية تعدّدية أو مساحات لتمثيل مصالح الطبقات عبر المنابر السياسية، وفرضت علاقات الزبونية بين السلطة وأصحاب المصالح الاقتصادية، وخصوصا كبار الرأسماليين.

على مشارف التسعينيات، أصبحت سلطة الرؤساء في الزي المدني، أبناء الجيوش وأجهزة الأمن، تمثيلا للطبقات المتنفذة. وأصبح مشهد تحالف السلطة والرأسمال المحلي والعالمي شديد الوضوح، وأصبح جهاز الدولة أداةً للثراء، والسيطرة على أجهزة الأمن ضمانا للحماية واستمرار النظم. ماتت دولة الاستقلال التاريخية، لا شرعية لها، ودورها الوظيفي مات إكلنيكيا، فلا دور اجتماعيا للدولة التي تمثلها، ولا حريات سياسية، ولا نموذجا للتداول السياسي، أو حتى تجديد الدماء في بنية السلطة.

حراكات وجيوش

مع اندلاع الانتفاضات العربية خلال 2010- 2011، سقطت النظم سريعا نتاج حركة الجماهير المندفعة. اختمرت هذه الحركة ونضجت، بعدما تصاعدت حدتها، وعبرت عن أزمات اجتماعية وسياسية متراكمة، منها انتفاضات الخبز في مصر وتونس والسودان والجزائر (1977،1984،1985، 1988) وانتفاضات عربية أخرى أقل (يمكن مراجعة كراسة الانتفاضة لسلامة كيلة)، غالبا ما كان يدخل فيها الجيش أداة ضبط، وإرجاع الانتفاضة إلى الشوارع الجانبية، ليأخذ النظام أنفاسه، ويستعد للحكم مرة أخرى. يمكن أيضا تأمل موقف الجيش الجزائري في العام 1991، والعشرية السوداء بعد ذلك، أو ما شهدها السودان من انقلاباتٍ متعدّدة منها، الانقلاب الذي جاء بالرئيس عمر البشير عام 1989.

تولدت الثورات المضادة مع أولى جولات الحراك الشعبي، تبدأ دوائر السلطة في ترتيب أوراقها، بما تملكه من أدوات سيطرة يقع في قلبها قادة أدوات القمع (الأجهزة الأمنية) وجماعات المصالح الاقتصادية، وما يمثلهم من شكل سياسي (الحزب الحاكم) وأجهزة دعاية. تختار هذه المجموعات أمام الحراك تقديم تنازلاتٍ من أجل إعادة تدوير النظام وإنتاجه، لكي تحافظ على ما راكمته من مصالح اقتصادية، وأوضاع اجتماعية، وسلطة سياسية مهيمنة، وعلاقات دولية وإقليمية، خصوصا بعد تفتت النهج العروبي الوحدوي، وصعود الأحلاف والتكتلات الإقليمية المرتبطة بقوى عالمية.

تقع الجيوش هنا في معضلة بوصفها تحمي الاستقرار والأمن، في إطار نظم استبدادية، أغلبها استند إليها للقيام بهذا الدور، يصبح بجانب عقيدتها الوطنية المتمثلة في الدفاع عن الوطن، الدفاع عن نظام حاكم مستبد، أصبحت جزءا منه، بحكم ترابط المصالح وتدجين قيادتها، واتفاقات داخل النظام.

في حالة انتفاضات الشعوب، وبدء مؤشّرات تفكّك النظام، تعود الجيوش إلى مهمتها في حفظ النظام وجهاز الدولة. تتقدم خطوة إلى الأمام، وتأخذ دورها في تحقيق تغيير يرضي الحراك الجماهيري، ويسمح لها أيضا باستعادة دورها، وترتيب الأوضاع مستقبلا، بل والوثوب إلى الحكم بشكل مباشر. تكون الانتفاضة الشعبية طريقا لذلك. يضع قادة الجيش أنفسهم حكاما لمرحلة انتقالية قد تطول، متعلّلين بحفظ النظام، وحماية الدولة والوطن، يهيمنون إن استطاعوا، ويشرّعون ويكتبون الدساتير ويصدرون القوانين، وتظهر الجيوش نفسها مدفوعة إلى هذا الدور الضروري لحفظ الدولة، وأيضا حفظ مصالحها وامتيازاتها.

عادت إلى النقاش علاقة الجيوش بالسياسة، مع اندلاع الانتفاضات العربية، ومسألة تحديد موقف فكري وسياسي بشأن العلاقات المدنية العسكرية. ارتبط ذلك بتاريخ المنطقة التي ارتبطت فيه أغلب أنظمة دولة الاستقلال بالجيوش، ولكن أغلب النقاش يطرح بشأن “العلاقات المدنية العسكرية”، في ظاهرة توحي بانفصال الجيوش عن الدولة والشعب، والاعتراف بذلك ضمنيا، لا نقده من أجل نموذج يطور المنطقة والمجال العام والبيئة السياسية. وتجب إعادة النظر بتسليم بعض الباحثين والسياسيين بهذه العلاقة، وبأن الجيوش تمثل لاعبا سياسيا، وربما دولة داخل الدولة، ليس على مستوى التحليل فحسب، ولكن على مستوى الرؤية وإعادة الأمور إلى نصابها، بأن تكون المهمة الأساسية للجيوش، والمرتبطة بالعقيدة الوطنية والقتالية، حماية الحدود وأمن البلاد، وليس تدخل الجيوش بوصفها طرفا في المعادلة السياسية. وهذا النقد ضروري لاستعادة أدوار الجيوش وعقيدتها الوطنية، وحمايتها من الانقسام والتشرذم أو التطيف والجهوية. كما شهدنا ذلك في تجارب عربية، التصقت فيها الجيوش بحكامها. وعلى من انتمى لجهاز الدولة إن أراد خوض المعترك السياسي أن يمارس ذلك منفصلا عن موقعه في مؤسسات الدولة، وهذه أبسط القواعد إن أردنا إصلاحا حقيقيا في الوطن العربي.

يعدّ الجيش السوداني الأكثر انقلابا عربيا، ففي كل مراحل الحراك السوداني، منذ الاستقلال في العام 1956. ينقلب أو ينتهز ضعف النظام وارتباكه وأزماته، حين تندلع انتفاضة، ليسطو عليها بقادة جدد بدلا من القائمين، ليجدد النظام نفسه بسلطة جديدة، أو يتقاسمها إذا استشعر قوة الحراك وانفصال قواعده من صفوف الجنود والضباط الصغار عن قياداته الطامعة في السلطة، والمختلفة طبقيا واجتماعيا عن قواعد الجيش التي غالبا ما تنتمي اجتماعيا إلى المحتجين بشبكاتٍ عائليةٍ ومناطقية، وتشاركهم الظروف المعيشية، وهو ما تحقّق في السودان نفسه خلال اعتصام القيادة العامة. استشعرت قيادة الجيش عدم قدرتها على التحكّم الكامل في قواعدها. كانت احتمالات توسع الانتفاضة ستقسم صفوفها، خصوصا في المواجهات العنيفة ضد الاعتصام خلال الأسبوع الأول من إبريل/ نيسان، والذي ظهر فيه تعاطف كثيرين من جنود الجيش وضباطه مع الانتفاضة، وحمايتهم للمعتصمين، ما ساهم في تغير موقف الجيش ولهجته.

اختار الجيش إزاحة البشير، والقبض على وزراء في حكومته وقيادات حزبه، المؤتمر الوطني، إلا أنه أعلن فترة انتقالية مدة عامين. وحين رفضت قوى الحراك ذلك، ورفعت شعار “تسقط تاني” إلحاقا بشعار “تسقط_بس” ضد البشير، اختار الجيش التفاوض والمناورة مع قوى الحراك. وما زال المجلس العسكري السوداني رافضا الاستجابة لمطالب قوى التغيير والحرية، في انتقال السلطة إلى حكومة مدنية، يتولى فيها الجيش مهام الأمن والدفاع. وهو يحاول تقسيم صفوف قوى الثورة، متسلحا بخبراتٍ سابقة، وربما باستشارات إقليمية تحاول تكرار المشهد المصري، مستخدما أساليب، منها إغراء قوى سياسية إصلاحية بمواقع سياسية مستقبلا مقابل استمالتها، أو الخلط ما بين قوى الثورة وقوى سياسية وحزبية كانت حليفة للسلطة، لتشويش المشهد وإظهار الجيش أنه يتحاور مع الجميع، فيصبح الحوار ملهاة، بالإضافة إلى محاولات اللعب على وتر تقسيم قوى الثورة ما بين النخب والشباب، وتشويه قوى الحرية والتغيير والقوى الراديكالية وتجمع المهنيين، واعتبارهم ضد الدين، دعاة فوضى وشذاذ آفاق، كما كان يسميهم نظام البشير في انتفاضة 2013.

يقابل الحراك هذه التحديات بصمود رغم ضخامتها، سيما بعد مجزرة فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، وسقط فيها 108 قتلى. وأغلب الظن أنه سيحاول تجاوزها. وليس أمام الجيش السوداني سوى إعادة تموضعه في خريطة السلطة ومكوناتها، في مواجهة شعبٍ مثقفٍ ذي خبرة، وتجارب سياسية هي الأعمق في الحراك السياسي في الوطن العربي. ولذلك ليس من السهل أن يسطو الجيش على السلطة، من دون تفتيت قوى الاحتجاج أو هزيمتها، الأمر الذي يتضح أنه صعب، بحكم صلابة قوى الحراك، وقدرتها على المقاومة، بقدر المأساة التي خلفها نظام البشير.

ويعد موقف المؤسسة العسكرية من مستقبل الحكم فيما بعد الانتفاضة في السودان والجزائر الإشكالية الأساسية للحراك، وهي إشكاليات قديمة جديدة، ارتبطت بتاريخ المؤسسة وعلاقتها بالسياسة، وهو ما ذهب إلى جانب منه أنور عبد الملك في توصيفه حالة التطور المأزوم، أو ما طرحه عزمي بشارة في كتابه “الجيش والسياسة” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، وخصوصا فيما يتعلق بعسكرة المجتمع، وتأسيس أنظمة سلطوية مستندة إلى قوة صلبة في يد النظام، وإمكانية تدخل هذه القوة بشكل مستمر، وإعاقة تطور المجتمع.

وليست الحركات والانتفاضات الجماهيرية اليوم صورة من الماضي، كما أن القوة الأمنية والمؤسسة العسكرية اليوم ليست أيضا هي نفسها جيوشا تواجه قوى الاستعمار. ولذلك لا يجب أن نسحب الماضي على الحاضر. أصبحت المؤسسات العسكرية اليوم، إلى جانب مهامها الدفاعية، أداة ضبط داخلي بشكل أكبر، وفى الانتفاضتين، السودانية والجزائرية، (مع تقدير خصوصية كل تجربة)، تسعى لاستكمال أدورها السياسية، والحركات الجماهيرية تعي ذلك. وهي، على الرغم من عدم امتلاكها أطرا تنظيمية حزبية جماهيرية، تمتلك أدوات اتصال وتفاعل، وتتعلم الجماهير بشكل متسارع، وتشكل فئاتٍ كالتجمعات النقابية، وحركات الاحتجاج الشبابي، والفئات المفقرة، القلب الصلب للاحتجاج الساعي إلى تغير النمط السياسي ودمقرطته، وتغير بنية الاقتصاد، بما يحد من توسع الفساد والنهب، ويسمح لتلك الفئات بالعيش الكريم. وهذا الحراك ذاته هو ما يصحّح، في بعض الأحيان، خطوات القوى السياسية، الأمر الذي شهدناه في الحراكين، السوداني والجزائري. وهو نتاج حراك سابق، وإن كان في السودان كان أكثر بروزا وصوتا، بينما اقتصر في الجزائر على حركة رشاد وأنشطة معارضة ذات بعد ثقافي، كالأغاني، ومجموعات المدونين وبعض الاحتجاجات النقابية.

تدرك النظم أن زمن الهيمنة المطلقة لم يعد قائما، وحتى التي تسعى إلى الهيمنة الكاملة تخشى شبح الانتفاضة. ولذلك تكرس أدوات القمع الصلبة والناعمة. الزمن تغير، ولم تعد عوامل امتلاك القوة بالسلاح وحسب. هناك وسائل الاتصال والبث وتشكيل الوعي والقدرة على الحشد، ومراقبة العالم ما يجري. لم تعد هناك إمكانات لاستيعاب الكتل الشبابية، أو التحكم فيها، وقدرة المفقرين على الفعل، حتى لو معطلين، أصبحت أكبر، وهم وقود الحراك في انطلاقته حين يبدأ، وفي صموده حين يستمر.

إشكاليات بناء نظم جديدة

انطلقت انتفاضة الجزائر من إحساسٍ عام بالمهانة، نظام يحكم خلف رئيس قعيد منذ 2013، اختار أن يترشح لولاية خامسة، بينما سقطت عنه رمزية المجاهد في صفوف جيش التحرير الوطني الجزائري، وصورته مناورا سياسيا في الستينيات. شهدت الجزائر مظاهرات احتجاجية خلال فترة ترشحه الثالثة، في إبريل/ نيسان 2009، بعد تعديل الدستور لتمديد حكمه. دعم الجيش فترات حكم بوتفليقة، بل بالأساس تم استدعاؤه للرئاسة من الخارج، في 1999، ومرشحا وحيدا مدعوما من الجيش.

لم يكن الجيش الجزائري مرحبا بالحراك المعارض لترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة. وسبق أن عبر رئيس أركان الجيش، أحمد قايد صالح، عن ذلك، قبل أن يغير تصريحاته، إلا أن الصراع في بنية مؤسسات السلطة ومكوناتها، سهّل أن يستجيب النظام (وخصوصا الجيش) لمطالب الانتفاضة وتنحية بوتفليقة. ومثلت الانتفاضة فرصةً للتخلص من بعض رموز السلطة، لتجدّد دماءها، لكن ذلك ليس معناه قبول قيادة الجيش مطالب الحراك وبناء نظام جديد، ورحيل أعمدة نظام بوتفليقة ومحاسبتهم. يبدو أن الجنرالات يريدون إعادة ترميم النظام بعد تفسخه، وبعد بروز صراعات بين مكوناته، كانت محل نقاش داخل المجتمع. وفي هذا السياق، تتهم قوى سياسية الجيش باستخدام القضاء، لإبعاد جزءٍ من مكونات النظام تحت بند مكافحة الفساد، بدا ذلك في تحقيقات مع بعض رجال نظام بوتفليقة، لكنها امتدت إلى سياسيين آخرين، وربما تستخدم لتصفية الحسابات.

في الوقت ذاته، ما زال الحراك يرفع مطالبه بتنحية رموز نظام بوتفليقة، وفيمن بينهم الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، إلى جانب المطالبة بنظام جديد، مبنيٍّ على قواعد ديمقراطية، يتم الاتفاق عليها خلال فترة انتقالية، بينما تريد قيادة الجيش إجراء انتخابات رئاسية بداية يوليو/ تموز 2019 على القواعد نفسها والدستور القديم، وبالتشريعات نفسها، الأمر الذي ربما يشير إلى سهولة إنتاج النظام مرة أخرى، غير أن ذلك لم يعد ممكنا، بعد الإعلان عن تعذر تنظيم الانتخابات الرئاسية في هذا الموعد.

في السودان هناك حوار متعثر بين قيادة الجيش وقوى الحرية والتغيير، سيما بعد مجزرة فض الاعتصام، وفترة انتقالية طويلة، تريد المعارضة أن تكون بيديها، بينما تطرح قيادة الجيش مسألة إجراء انتخابات خلال تسعة أشهر. وفي البلدين، الجزائر والسودان، تستخدم قيادتا الجيشين لغة عاطفية، وتهاجمان من يختلف معهما، بينما تصر قوى الحراك على مطالبها وتواجه مخاطر التفتيت والانقسام والإجهاد والتدخل الخارجي.

ليست هذه السطور في محل إصدار أحكام مسبقة على مستقبل الانتفاضتين، ودور مؤسسة الجيش، لكن الخبرات السابقة، وفي ضوء المعطيات الحالية، تأخذ كل سلطة جديدة ملامح من السلطة القديمة، كما أن مكونات السلطة التي رحل رموزها ستُجهّز بدائلها للمشاركة في المشهد السياسي، مستقبلا، أو الحفاظ بقدر الممكن على قواعد إدارة للحكم، بما يحافظ على أوضاعها ومصالح قادتها. ولذلك مهم أن تطرح قوى الحراك بدائلها السياسية، وبرنامجا اقتصاديا عاجلا، وآخر طويل الأجل، يحافظ على انتماء أوسع كتلة شعبية ممكنة للثورة، والالتفاف حول رموزها وقواها، فليست المشكلة في رؤوس الأنظمة السياسية في السودان أو الجزائر وحسب، ولكن ما أنتجه هذا النمط السياسي والاقتصادي من مشكلات.

مواضيع متعلقة

زعيم العصابة يهدد باستمرار مجزرته ضد خصومه السياسيين

Admin

في الجزائر فقط..محاربة الفساد برفع تقارير أممية دون الاستجابة للشعب

Admin

التخابر مع جهات أجنبية..آخر تلفيقات العصابة لملاحقة ناشطي الحراك

Admin