Algeria Leaks

قال كاتب جزائري عن الاحتجاجات ضد أداء الإعلام في الجزائر تصاعدت في الفترة الأخيرة، وصدحت حناجر المحتجين، في الحراك الشعبي، بشعارات تؤنب القائمين على هذا القطاع بالميل لطرف ضد آخر.

وأشار إلى أن ما يقصدونه، ليس الصحافة المكتوبة، المغلوبة على أمرها، التي سُحب البساط من تحت قدميها، بل يقصدون التلفزيون، وليس القنوات الخاصة، التي تحبو، تقاوم بالإعلانات والومضات الإشهارية، والتي لا سلطة لها بدون إذن من «مسؤولين فوقيين»، بل المقصود من تلك الاحتجاجات، التي تأخذ مرات نبرة حادة، هو التلفزيون العمومي، الذي أثبت، في الأشهر الستة الماضية، ليونة في تفكيك الحراك، وفي قلب الميزان لجهة معينة على حساب الشعب.

وقال سعدي خطيبي الروائي والصحافي الجزائري إن هذا التلفزيون الذي يفترض أنه يكون ملكاً للمواطن ـ كونه يدفع من جيبه إتاوة تصب في ميزانيته ـ اختار الموقع الخطأ، كما هي عادته، ولا يتوانى عن المناورة كي يفرض رأياً لا يقتسمه سوى القائمين عليه.

وأضاف “لا يزال الجزائريون يتذكرون واقعة، بقدر فداحتها وفظاعتها، فهي تخفي الوجه الحقيقي للتلفزيون العمومي. في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1980، اهتزت الأرض في مدينة الأصنام (التي صار اسمها الشلف)، سقط الآلاف من الضحايا، ومثلهم من الجرحى، وتهدمت البيوت وصارت المدينة رماداً، والساعة لا تتجاوز حينذاك منتصف النهار إلا بقليل. نقلت إذاعات أجنبية الخبر في حينه، وكذلك وكالات إخبارية، وشاعت المصيبة في البلاد كلها، عدا التلفزيون العمومي الذي كان حينذاك في قيلولة، لعلها أطول قيلولة في تاريخه، فقد انتظر نشرة الأخبار في الثامنة مساءً، كي يبث الخبر”.

وقال :”لقد افتتح تلك النشرة بخبر الزلزال، كما لو أنه يبث سبقاً صحافياً. هذا التلفزيون الذي دأب على الوصول متأخراً، حسّن إمكانياته، استورد ما طاب له من تقنيات حديثة، جدد حيطانه وتركيبته البشرية، لا يتمنع عن توظيف جيش من صحافيين وموظفين وأشخاص نجهل ما يفعلون، صار أسرع مما سبق، ولا نقصد هنا السرعة في نقل الخبر، بل في تزييفه”.

وأشار خطيبي “بعدما احتكر المعلومة طوال نصف قرن، مستفيداً من القبضة المتشددة للنظام، الذي أوصد أبواب حرية الإعلام، مع مناورات موسمية فجة، كالسماح للصحافة المكتوبة بالتعدد، صار التلفزيون لا غنى عنه في الوصول إلى الأخبار، هو القطعة الأساسية في كل بيت، رغم كل سلبياته لا يتخلى عنه الجزائري، لا تزال نشرة الثامنة تقليداً بين كل العائلات تقريباً، يُشاهدونها رغم معرفتهم المسبقة أنها لا تنقل لهم سوى ما يريده أصحاب الأمر والنهي، لطالما كانت تفتتح بصور الرئيس وتنتهي بصوره، ما يزال التلفزيون العمومي مادة يومية في برنامج المشاهدة الاعتيادي، وكان بإمكانه أن ينتفع من هذا الإقبال عليه، ويرفع من عائداته في بلد يحصي أكثر من 40 مليون نسمة، أن يحقق عائدات تسمح له بأن يتنوع في قنوات محلية، أو أخرى متخصصة، لكنه فضّل، في النهاية، أن يلعب دوراً مناقضاً لسبب وجوده، أن ينقلب على نفسه، بدل أن يتوجه للمواطن، يلعب بعقله، ويتمدد في حضن الأقوى، مهما كان اسمه”.

واكد خطيبي بالقول :”حين نقول الشعبوية، فهي لن تتحقق سوى بفضل التلفزيون، والدوغماتية لن تصير واقعاً سوى بفضل التلفزيون، وفي الجزائر يعمل التلفزيون العمومي على الترويج لهما، يستعين بسلطته المعنوية على المواطنين، كي يحشو في عقولهم أطباقا سرعان ما يلفظونها، يتحايل على الإجماع، كي يمرر الاستثناء، ينشط في أيام الحراك الشعبي هذه كما لم يسبق له أن فعل من قبل، بغرض أن يعيد الناس إلى بيوتهم ويسهل الانتقال إلى خريطة طريق يُراد منها تنظيم انتخابات في أسرع وقت، في بلد كل الظروف فيه لا تشجع على تنظيم انتخابات، لقد انتبهت الجماعة الأقوى، في الزمن الحالي، إلى سطوة التلفزيون، وجعلت منه وسيطاً في كسب قلوب الضعفاء إليها.

واستعرض الكاتب تاريخ التلفزيون الجزائري في التزييف وقلب الحقاائق، وقال “التلفزيون الجزائري ونصرته للزيف، ليست أمراً جديداً، فميله إلى هذا الخيار يعود إلى عقود مضت، عندما كان يوظف الكوميدي حاج عبد الرحمن (1940-1981)، المعروف بشخصية المفتش الطاهر، في ترويج سياسات الحكومة القسرية، مثل الثورة الزراعية، وذلك ما يمكن أن نطلع عليها ـ مثلاً ـ في فيلم «المفتش الطاهر يسجل الهدف» (1977)، والذي عرضه التلفزيون، أكثر من المرات التي عرض فيها المباراة التي فازت فيها الجزائر على ألمانيا (1982)، مع أن ما يُطلق عليه ثورة زراعية فشل في المهد”.

ويكمل “ولم يشذ الكوميدي عثمان عريوات (1948) عن القاعدة، فغالبية أفلامه المتلفزة، كانت حملات انتخابية مبطنة، في حث الناس على تقبل السياسات العليا، ويمكن أن نعود إلى فيلم «عائلة كي الناس» (1992). وحين فكر عريوات في نقد الوضع وإيقاظ العقول، لم تتجاوز جرأته نقد رؤساء بلديات، في فيلم «كرنفال في دشرة» (1994)، في رسالة مفاداها أن الفساد في البلد منبعه من أسفل الهرم، من المسؤولين الصغار وليس من الحيتان الكبيرة”.

 ويضيف “هكذا كسب التلفزيون ثنائية إضحاك الناس وتوطيد العلاقة بهم، ومع أفول زمن الكوميديا المحلية، بات يفتش عن بدائل، لم يجد ما يصبو إليه، فدخل في معركة إعلامية مباشرة، في خدمة السيد وإهمال المشاهد، وليست صدفة أن الشخص الوحيد الذي ذكره قائد أركان الجيش، في خطاباته، وأشاد به، ليس سياسياً أو مفكراً أو عالماً، بل مجرد مذيع في التلفزيون العمومي، أدى له ما يُشبه تحية عسكرية، ومن خلاله التحية موجهة للتلفزيون العمومي، الذي تحول إلى ما يشبه حكومة ظل”.

ويختم خطيبي بالقول إن زمن الإعلام في الجزائر هو زمن التلفزيون العمومي، زمن الرقابة، ودحض الرأي المخالف، زمن المجاملات والدوس على بروتوكولات المهنية، زمن الاصطفاف لا الحياد، يود أن يصنع واقعاً غير الذي نراه على الأرض، لقد صار التلفزيون يشبه «نبياً»، يغض الطرف عن المعلوم كي يسرب المجهول، يتحلق الناس حوله مثل حواريين، يطلبون الحقيقة، وهو يرشدهم إلى ما يراه الأصلح للجماعة الحاكمة. لقد استطاع التلفزيون العمومي في الجزائر أن يجعل من اللامعقول معقولاً، ومن اللامنطقي منطقاً، أفلح في طمس النور، الذي أمكنه أن يطل عليه، وانصرف إلى العتمة.

مواضيع متعلقة

فيديو..”فوق السلطة” واستبدال الباءات الثلاثة بـ”الجيمات”

Admin

جبهة العدالة عن تزكية شنين: لا يعنينا فلسنا ضده ولسناه معه

Admin

قايد صالح يغازل الشعب: نحن منكم ولا ننسى عذابتكم

Admin