Algeria Leaks
الصح في بلادي

كاتب جزائري: انتخابات رئاسية يشرف عليها النظام أصبحت مستحيلة

قال الأديب والكاتب الجزائري واسيني الأعرج إن الانتخابات الرئاسية أصبحت اليوم أمراً مستحيلاً، ولن تؤدي إلا إلى المزيد من الفوضى.

وتساءل في مقال له نشره اليوم عن كيفية العبور نحو الانتخابات الرئاسية، وأكثر من عشرين مليون جزائري يحتلون، كل جمعة وثلاثاء، شوارع المدن والقرى؟

وأكد الأعرج أن اختيار المؤسسة العسكرية أن تكون من أول المؤيدين لتفعيل المادة 102 للدستور، ومن بعدها استقالة الرئيس وتنصيب ابن صالح في رئاسة الدولة وفق الأمر الدستوري. لم يساعد على الاستجابة لمطالب الحراك، بل عمق الأزمة أكثر، لأنه وضع مطالب الحراك خارج المعادلة.

وأشار إلى أنه وبعد اتضاح استحالة إجراء هذه الانتخابات، يفترض أن تنظر المؤسسة العسكرية للأمر بشكل جديد، وتطور من موقفها أكثر في اتجاه الحراك للخروج من الأزمة. وإلا ستجد نفسها في تناقض مع الحراك الذي لا يرى أية فائدة من انتخابات رئاسية مشلولة يشرف عليها النظام الذي قام ضده.

وواسيني الأعرج جامعي وروائي جزائري، يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس، ويعتبر أحد أهمّ الأصوات الروائية في الوطن العربي

وفيما يلي مقاله كاملا :

خطوات في اتجاه الجمهورية الثانية؟

منذ اعتقال رؤوس العصابة في الجزائر، أصبحت المؤسسة العسكرية مثاراً لجدالات ونقاشات كثيرة، من خلال الشعارات المتضاربة المرفوعة في الحراك، من القبول المطلق لدورها التاريخي والدستوري، إلى الرفض المطلق والتخوف منها ومن احتمالات استيلائها على الحراك، في الوقت الذي يريد فيه الشعب الجزائري قطيعة حقيقية مع كل ما يمت للنظام السابق بصلة. وهذه الشعارات المختلفة والمتضاربة تبين تجذر القوى التي تختفي في عمق الحراك، وهي نفسها القوى التي كانت فاعلة في التسعينيات.

الحراك، كيفما كانت وجهة نظرنا في تفاصيله، يظل مساحة شعبية واسعة وديمقراطية تلتقي فيها تناقضات الحراك كله، الذي يجب تأمله بمنطقه الثوري التغييري الحر، بدل الاختزالات والتخوينات السهلة التي تظهر هنا وهناك، هذه الاختلافات تجاه للمؤسسة العسكرية تظهر الهشاشات والأسئلة الكثيرة المتعلقة بفترة ما بعد الحراك الذي لا شيء يجمعه إلا إسقاط النظام وذهابه نهائياً من المشهد وكلياً. الآتي تصنعه الحروب أو التفاهمات البينية. بين مجتمع حداثي متفتح يصبو إلى اللحاق بالركب الحضاري الإنساني، ومجتمع ديني ضيق ومنغلق، لم يقل أصحابه كلمتهم الأخيرة.

من الطبيعي أن يجد موقف المؤسسة العسكرية المناصر للحراك من يعاديه، بل ويعمل جاهداً على إسقاطه لإرجاع العصابة إلى الواجهة. وهذا يحمل المؤسسة العسكرية مسؤولية أكبر ضرورة المساهمة الفعالة في وضع الجزائر على السكة، والخروج من دائرة سجن التطبيق الحرفي للدستور، وأن تذهب بعيداً في خياراتها باتجاه حوار موسع ووفاق وطني ضروري. بدون ذلك تظل الشكوك تحوم حول نوايا هذه المؤسسة الكبيرة والأكثر تنظيماً.

نعلم سلفاً أن المؤسسة العسكرية لا يمكنها أن تفعل أكثر مما فعلته، دون التورط عميقاً في شبه انقلاب أبيض، بينما هي لا تريد تكرار قسوة تجربة التسعينيات التي ما تزال نتائجها وجراحاتها حية إلى اليوم. لهذا اختارت المؤسسة العسكرية أن تكون من أول المؤيدين لتفعيل المادة 102 للدستور، فكانت استقالة الرئيس وتنصيب ابن صالح في رئاسة الدولة وفق الأمر الدستوري. وهذا إن حل المشكلة للمؤسسة العسكرية بوضعها خارج الصراعات السياسية، على الأقل من حيث المظهر، فإنه لم يساعد على الاستجابة لمطالب الحراك، بل عمق الأزمة أكثر، لأنه وضع مطالب الحراك خارج المعادلة. في وضع مثل هذا، كيف يمكن العبور نحو الانتخابات الرئاسية، وأكثر من عشرين مليون جزائري يحتلون، كل جمعة وثلاثاء، شوارع المدن والقرى؟ حالة انتحارية حقيقة مسؤولية المؤسسة العسكرية فيها كبيرة. لهذا، عليها- ما دامت اختارت طريق الحراك- أن تساعد على إتمام تنفيذ مسار التخلص من رموز النظام الثقيلة. كل الناس يعرفون أن الرئاسة والحكومة هما من بقايا الدولة العميقة التي كذبت على الشعب كثيراً، واستمرارهما يقود البلاد نحو المزيد من التأزم.

الانتخابات الرئاسية أصبحت اليوم أمراً مستحيلاً، ولن تؤدي إلا إلى المزيد من الفوضى. الحل الدستوري أو السياسي التوافقي، أو حتى حلول أخرى، هي في النهاية تصورات واجتهادات تتأسس على فكرة المحافظة على مؤسسات الدولة قائمة لتسيير المرحلة الانتقالية. ليس هذا الحل أو ذاك تهمة ضد أصحابه بقدر ما هو مقترح قابل للقبول والرفض. الحلول الدستورية الاجتهادية متوفرة، لكن بشرط الانفتاح على الحوار وعلى معطيات الحراك بكل تركيبته. فلا حل بدون اجتهاد حقيقي يبنى على المصلحة الوطنية العالية. تسبيق هذه الخاصية هو أسّ كل تفكير في الحلول الصعبة التي ستكون ناقصة مهما كان الاجتهاد، إذا لم تسند بإرادة شعبية خلاقة. على المؤسسة العسكرية أن تدرك، أنه لا يمكن تحقيق أي خطوة حقيقية بدون استقالة الثالوث المرفوض، على رأس المجلس الدستوري، ورئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة. الدستور الحالي (2016) يمنح بعض المخارج إذا تم الاجتهاد بهذا الاتجاه، وقد وضحت ذلك بالتفصيل في مقالة سابقة (القدس العربي). يمكن المزاوجة بين الحل الدستوري والحل السياسي. لا بد من أن يتم الاجتهاد بتعيين ثلاث شخصيات سياسية وفاقية، تأتي من عمق الحراك، وتتوفر على رصيد من النزاهة والتجربة. الحراك قشة نجاته للشعب من قتلة النظام لحلمه ومستقبله. ويمكن للمؤسسة العسكرية التي انتمت إيجابياً للحراك أن تتفاعل مع الوضع بشكل يشرفها جداً وتلعب دوراً حيوياً من خلال الاستقالة الطوعية لرؤساء المجلس الدستوري ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. هذا يحمي المؤسسة العسكرية من تكرار سيناريو التسعينيات الصعب الذي وجد الجيش نفسه مجبراً على التدخل للحفاظ على وحدة البلاد في ظل هزال الطبقة السياسية. واختارت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المحلة، وقتها، المواجهة العسكرية التي كانت قد هيأت لها سراً سنوات من قبل (الجيا، الجيش الإسلامي للإنقاذ، والفيدا المكلفة باغتيال المثقفين المناهضين لها…). واكتشف الجزائريون فجأة الإسلام المسلح. بهذا المخرج تصبح لدينا حكومة جديدة تستطيع أن تقود المرحلة الانتقالية بهدوء.

اليوم، وبعد اتضاح استحالة إجراء هذه الانتخابات، يفترض أن تنظر المؤسسة العسكرية للأمر بشكل جديد، وتطور من موقفها أكثر في اتجاه الحراك للخروج من الأزمة. وإلا ستجد نفسها في تناقض مع الحراك الذي لا يرى أية فائدة من انتخابات رئاسية مشلولة يشرف عليها النظام الذي قام ضده. البدائل متوفرة، ولا تحتاج إلا إلى التفعيل الذكي. وجود مجلس دستوري برئيس متفق عليه، ورئيس دولة مؤمن بقضايا الحراك، وحكومة وفاقية تملك سلطة القرار، يمكن أن يساعد البلاد على تخطي حالة الجمود، والمرور بسلام نحو استكمال مؤسسات الدولة المعبرة عن مطالب الحراك، والتي ستقود المرحلة الانتقالية باتجاه بر الأمان والإشراف على انتخابات رئاسية قادمة تملك شرعيتها من شرعية الحراك نفسه. من مصلحة الحراك ومصلحة البلاد ألا تظل المؤسسة العسكرية مصرة على انتخابات رئاسية لن تتم. حتى مرورها بالقوة لم يعد ممكناً. للمؤسسة العسكرية دور واضح تلعبه في هذا الحراك، هو أن تكون حامية لخيارات الشعب حتى انتهاء الأزمة ودخول الجزائر في تجربة الجمهورية الثانية التي ليست قراراً فقط، ولكنها صيرورة أيضاً.

مواضيع متعلقة

أستاذ اعلام: تغيير النظام لا يتحقق برموزه القديمة

Admin

من هو المجاهد لخضر بورقعة الذي طالته يد العصابة

Admin

البوشي “ملك الكوكائين”.. 10 سنوات حبس وغرامة مليون دينار

Admin