Algeria Leaks
الصح في بلادي تذكر واطلب الستر

كاتب: من يقبض على الترسانة العسكرية لا يملك صلاحية العمل السياسي

قال الكاتب الجزائري نور الدين ثنيو إن واحدة من مستجدات الوضع في الجزائر اليوم، أن الحراك يزداد قوة وشعبية ليس لأنه أسقط وحده النظام السابق، بفعل إرادة الجماهير، بل لأنه أبطل كل تصرفات وتحركات قيادة أركان الجيش.

واكد ثنيو في مقال له صباح اليوم أن  من بقي من النظام يفقد بصورة متوالية حصانته ونفوذه ومصداقيته وصار مجردا من آخر ورقة توت، ولعلّ هذا ما حدا بقائد الأركان  في آخر خطاب له   يوم 28 مايو/ أيار إلى طلب الحوار مع الشعب والمعارضة، كمخرج أخير أو آخر ملاذ إلى إصلاح الوضع ومعالجة المحنة السياسية التي تسبب فيها هو.

وأشار ثنيو إلى أن  كل سعي إلى الوصول إلى حالة الفراغ الدستوري، على ما ينوي قائد الأركان، يعني في المطاف الأخير المجازفة بالبلد نحو المجهول، يكون الجيش أول ضحاياه، لأنه سوف يستفيق على حقيقة صاعقة وهي أنه دخل مرحلة لا تحث إطلاقا على استعمال العنف ولا يوجد أي مبرر لاستخدامه كما حدث في انقلاب عام 1992.

وفيما يلي مقالة الكاتب ثنيو :

    محنة السياسة في الجزائر

محنة السياسة في الجزائر، أن الجهة القابضة على الترسانة العسكرية لم تعد تملك صلاحية العمل السياسي، كما تعوّد عليه النظام السلطوي البائس. بقايا السلطة، على ما انتهت إليه وضعية ما بعد بوتفليقة، لا تملك الشرعية اللازمة لتأهيل الوضع السياسي العام في الجزائر إلى نظام مؤسسات تكتفي بذاتها ولا ترتهن بالرجال والجماعات. فقد دخلنا، بعد إخفاق قيادة الأركان في إجراء انتخابات 4 يوليو/تموز المقبل، في حقبة كل شيء فيها يتمخض عن سياسة قيادة الأركان، أي أننا ابتعدنا عن حل الحراك، لكي نلج مضاعفات وتداعيات فعل القيادة العسكرية الذي اتسم إلى حد الآن بالإخفاقات المتلاحقة.

فالواقع، كما نقرأه ونتعامل معه في الجزائر، يؤكد مع توالي مسيرات الحراك، على أن الجيش لم يعد له من السلطة إلا ما يمكن أن يرافق به مسيرة الشعب نحو إرساء معالم الدولة الديمقراطية التامة. فعندما تكون الإرادة الشرعية هي صاحبة الفعل السياسي، فإن ما تعقبها، بالضرورة، هي دولة المؤسسات العامة المنزَّهة عن الأشخاص، ودوائر الجيش والمال والأعمال، وعلى العكس تماما، إذا عهد الأمر إلى جهة لا تملك من السلطة إلا بقاياها، فالأمر يصبح مدعاة للخوف على مصير البلد، لأن النتيجة هي حتما إعادة إنتاج نظام آفل وتأهيل دوائره المتنفذة في نسخة أخرى. وهذا ما نلحظه بشكل واضح في الخطابات الإعلامية التي تركز بشكل سافر على أخبار دوائر الدولة العميقة، ومواجهاتها لبقايا السلطة، وكأن محنة الجزائر اختزلت في هذا الصراع المحتدم بين أطراف ليست لها أهلية تسيير مرحلة ما بعد إسقاط «النظام الأوتوقراطي» الذي صار يعرف بالسلطة الأوليغارشية.

واحدة من مستجدات الوضع في الجزائر اليوم، أن الحراك يزداد قوة وشعبية ليس لأنه أسقط وحده النظام السابق، أي بفعل إرادة الجماهير، التي لم تكن في أعلى درجة من الوعي السياسي فحسب، بل لأنه أبطل كل تصرفات وتحركات قيادة أركان الجيش. وبتعبير آخر يفيد المعنى نفسه، أن من من بقي من النظام يفقد بصورة متوالية حصانته ونفوذه ومصداقيته وصار مجردا من آخر ورقة توت، ولعلّ هذا ما حدا به في آخر خطاب قائد الأركان يوم 28 مايو/ أيار إلى طلب الحوار مع الشعب والمعارضة، كمخرج أخير أو آخر ملاذ إلى إصلاح الوضع ومعالجة المحنة السياسية التي تسبب فيها هو.

 الوضع في الجزائر وحتى في العالم العربي، لم يعد يجدي البحث عن استخدام السلاح والقوة والعنف وحتى الإرهاب من أجل تصفية الأوضاع السياسية التي تتمخض عن أزمات سياسية، يتسبب فيها النظام الذي يصر دائما على منع المعارضة من الوصول إلى الحكم، والتأجيل الدائم للديمقراطية. لا لم يعد الأمر يحتمل توظيف الخيار العسكري والأمني، لأن أول ضحاياه هو الجيش وأجهزة الأمن على أشكالها المختلفة. والسؤال الذي يلح على الجميع وبقوة هو، ماذا ننتظر من جهة عسكرية أفرطت في الفعل السياسي الفاشل؟ كيف لمثل هذه الجهة التي أبدت حساسية مرضية للتواصل مع الشعب، ثم ورّطت نفسها في الدخول في مواجهة مع مراكز قوى سابقة، التي لا تلبث أن تتسع دوائرها، أن تتمكن من الوصول بالبلد إلى مرفأ الخلاص؟ والجهة المعنية لا تحظى بأي تأييد، ولا يتعامل معها أي أحد لا في الداخل ولا في الخارج. فقد انعدمت السياسة ليبقى فقط الجانب البروتوكولي والإداري والنشاط اليومي العادي جدّا، وهكذا، فقد أكّدت الإرهاصات الأولى لسياسة قيادة أركان الجيش، عن فشلها الذريع في التصرف في الوديعة التي تلقتها من الشعب، في صراعه السلمي مع السلطة. وكان آخر عناوين هذا الفشل هو إلغاء انتخابات 4 يوليو المقبل، ومن ثم يؤشر هذا الإلغاء إلى عدم صلاحية وأهلية الجيش في إدارة وضعية هو الذي خلقها، ولا يزال يعاند في إدامتها كهروب إلى الأمام، والبقاء في الحكم. فالجزائر تعيش محنة سياسية خطيرة بسبب وجود السلطة الحقيقية في الميادين العامة، بينما مؤسسات الدولة معتقلة لدى قيادة أركان لا تعرف كيف تتصرف فيها، ومن هنا الوعي الشقي بالحالة الجزائرية، الذي انتهى صراعها السلمي والسياسي مع النظام الآفل، إلى مفارقة لا يمكن للشعب إلا إعادة ترتيب تكتيك ومقاربة جديدة لفك السيادة من سطوة الجيش مرّة أخرى. وجه المفارقة السياسية أن الجيش يخلق تناقضاته وصراعاته مع بقايا نفوذه وسلطاته، في حين أن الجماهير بقيت تطالب في الساحات والميادين العامة بالسلطة بسبب افتقارها إلى أجهزة التنفيذ والتماسها نشاطا سلميا مسالما.

فقد تبيّن أن الشعب في دوراته ومداولاته المتوالية في كل أسبوع، برهن فعلا على حرصه على مؤسسات الدولة لاحقا ، وأن وعيه بقيمة هذه المؤسسات وتمسّكه الشديد بها من أجل بناء دولة القانون والحق والنظام الديمقراطي، فيما تبدو قيادة الأركان في حالة إرباك كبير، لا يرشحها إطلاقا إلى إدارة الأزمة ولا تسيير المرحلة الانتقالية في حالة ما إذا تم إقرارها.

ما نريد أن نلفت إليه دائما، أن السياق التاريخي الذي نعيشه هو زمن قياسي لا يحتاج إلا إلى مدّة قصيرة لإنجاز برامج وخطط ومشاريع، فقد أسقط الشعب النظام السلطوي الآفل، وصار هذا النظام ينتمي إلى التاريخ، وبدأنا ننساه فعلا، ودخلنا مرحلة، وفي وقت قصير جدّا، لكي نتوجه إلى صرف قيادة الأركان عن أي محاولة للاحتفاظ بالحكم. فقد آن الأوان لإسقاط بقايا النظام.

في ظل هذه الوضعية التي أوصلنا إليها الجيش، نجد أن كل الخطر يأتي من عجزه المطلق عن التّحَكّم في المحنة التي صنعها، خاصة عندما ننظر إليها من الجوانب التالية: أوّلا، يصعب على قيادة أركان الجيش والمصالح التابعة له أن تعلن وتفرض حالة طوارئ أو أحكاما عرفيا، أو استثناءات لن يكون بوسعها السيطرة عليها، لأن حالة انفلات وفوضى سوف تعم كافة الولايات على ما نشهد ونلحظ في مسيرات الحراك، ولعلّ العينة التي تنهض شاهدا على ذلك هي أن في بعض المدن الكبيرة وحده الشعب يقرر بسلميته طبيعة الحراك، فكيف لو صار الأمر إلى عنف. ثانيا، لن يكون بإمكان خطاب الجيش أن يزيّف حقيقة ما يجري في البلد، بل كل شيء يكشف في حينه من قِبَل الشعب عبر وسائل إعلام واتصال يملكها هو، وكافية لوحدها أن تحاصر خطاب الجيش وتحيله إلى بيان تافه، على ما نلحظ في وسائل الإعلام الرسمية التي لم تعد لها أيّ مصداقية وقد هجرها الشعب منذ زمن طويل. فحقيقة ما يجري ويحدث تكون بحيازة الجماهير التي تتابع عن كثب وفوراً ما يحدث، وليس في صالح الجيش. ثالثا، إن قائد الأركان اليوم، يوجد في وضعية هشة بعد ما فتح المعركة مع فلول النظام السابق، ولن يجد الشعب في صفّه. فالشارع اليوم يلهج برحيله «الباءات» الثلاثة، و على وعي تام، بأن كل ما يجري هو من عواقب وتداعيات سياسة الجيش الفاشلة.

وعليه، فإن كل سعي إلى الوصول إلى حالة الفراغ الدستوري، على ما ينوي قائد الأركان، يعني في المطاف الأخير ، المجازفة بالبلد نحو المجهول، يكون الجيش أول ضحاياه، لأنه سوف يستفيق على حقيقة صاعقة وهي أنه دخل مرحلة لا تحث إطلاقا على استعمال العنف ولا يوجد أي مبرر لاستخدامه كما حدث في انقلاب 1992، لسبب واضح وبيّن وهو أننا تجاوزنا النزعة الإسلامية، ولأننا بصدد تخطي النزعة الوطنية السلطوية في حراكنا السلمي مع بقايا النظام السابق. والتجربة لها مقدماتها وسياقها ومراميها بحيث يصعب لقيادة أركان متواضعة جدّا، أن تحول دون أن يرتب الحراك نتائجه التاريخية.

مواضيع متعلقة

“البوشي” ملك الكوكايين في المحكمة.. ماذا عن بقية الرؤوس الكبيرة ؟

Admin

متابعات الفاسدين مستمرة.. لكن الشعب يتساءل عن النتيجة !!

Admin

أحد ركائز بوتفليقة..العدالة تعيد فتح ملفي فساد لشكيب خليل

Admin