Algeria Leaks

يصف الكاتب توفيق رباحي الوضع القائم في الجزائر بأنه ورطة كبيرة لنظام متكلس لم يستطع المناورة مع شعب مختلف صنعته الضغوط المستمرة منذ الاستقلال، وقد أصبح أكثر وعيا وتصميما على الحرية.

فلم يعد هناك شكّ في أن النظام الجزائري، أو ما تبقى منه، في ورطة، كما يرى رباحي، وهي ورطة وضع نفسه فيها بسياساته الفاشلة، قبل وبعد الحراك الشعبي، وبعناده وإصراره على المضي في قرارات وتوجهات لا حظوظ لها في النجاح. ثم أكمل المجتمع، أسبوعا تلو الأسبوع، إحكام خناقه على بقايا النظام ليتركه بلا أوراق في وضع لا يحسد عليه.

ويرى رباحي أن هذه إحدى ثمار التجريف الخطير الذي مارسه الرئيس المخلوع وجماعته. عندما دقت ساعة الحقيقة لم يبق هناك إلا الجيش وقائده في مقابل مجتمع موحَّد كما لم يتوحد منذ الاستقلال، وبينهما غياب فادح لتقاليد التفاوض وفنون التنازل السياسي.

الجزائر أيضا، وفق رباحي، في وضع لا تُحسد عليه، على الرغم من الآمال التي وُلدت في 22 شباط (فبراير) من رحم الظلم والإحباط.

وتتجلى مظاهر الورطة سياسيا وواقعيا. سياسيا لأن النظام أمسى بلا حلول وبلا اقتراحات بعد أن سقطت في الماء خطته الوحيدة المتمثلة في الانتخابات الرئاسية يوم 4 تموز (يوليو). هذا ناهيك عن عجزه عن التعامل، لا بالإيجاب ولا بالسلب، مع ما يرد من المجتمع من أفكار واقتراحات، حتى لا يتحمل تبعات ذلك.

لأن النظام غير متعوّد على سقوط، أو إسقاط، خططه، اكتفى بخطة واحدة، كان يثق بأنها ستمرّ بسهولة، هي الانتخابات الرئاسية، من دون خطة بديلة، كما يرى رباحي.

وتتجلى الورطة واقعيا، وفق رباحي، في كون رجال النظام ونسائه، عدا قائد أركان الجيش، لا يجرؤون على الخروج من مكاتبهم للقاء المجتمع ومواجهته بأفكار وبرامج، أو لإقناعه بالقليل الذي لديهم. لا يخرجون حتى ضمن مهامهم اليومية. حتى قائد الجيش يخاطب المجتمع من ثكنات محصّنة وبعيدة. عندما تضطر حكومة، أو غيرها من مكونات النظام الحاكم، للتواري عن الأنظار في ظروف عصيبة كهذه، فذلك دليل صريح على الفشل.

وينبه رباحي إلى أن العلامة الأكبر والأخطر، على بقايا النظام، هي درجة الوعي الشعبي التي أصبح عليها الجزائريون بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم. هذا الوعي، مضاف إليه التضامن الذي يبديه ـ ويتلقاه ـ الجزائريون كل أسبوع، يكفي لخلط أوراق النظام وبقاياه وإصابتهم بالشلل. ثلاثة شهور كانت كفيلة بـ«خلق» شعب آخر مختلف.. شعب أكثر ثقة في نفسه وأشد إيمانا بقضاياه وتمسكا بحقوقه. استمرار التظاهرات اليومية والأسبوعية، والتمسك بسلميتها والتصعيد المدروس في شعاراتها، علامات على أن ورطة هذا النظام مع شعبه مختلفة هذه المرة وليست سهلة. وعلامة على أن مهارة الترقيع والمناورة التي ربح بها النظام العقود الماضية لم تعد مجدية.

ويقول رباحي إن النظام راهن، قبل بداية الحراك، على جرعة المخدر التي تعوَّد إعطاءها للمجتمع. وراهن بعد بدء الحراك على الزمن وتسرب الملل إلى نفوس الناس، ثم على عامل الصوم، وقبل ذلك على الخلافات العقائدية واللغوية والمناطقية. لكن كل رهاناته فشلت أو تعطلت قبل أن تحقق مبتغاها. وهو فشل واضح لا غبار عليه، على الرغم من جهود بعض النخب من هذا المعسكر أو ذاك للطعن في كل ما لا يتماشى وحساباتها وأطماعها. وهي جهود الغرض منها التموقع في الخريطة الجديدة المرتقبة، أو تصفية حسابات متراكمة مع المعسكر المضاد، والانتقام منه. أقصد هنا معسكر «الوطنيين»، وهم خليط من الإسلاميين والقوميين، في مقابل «الفرنكوفونيين»، وهم أيضا خليط ممن لا يرون فائدة في الثقافة واللغة العربيتين، وممن يدّعون الانفتاح على الغرب وفرنسا بالخصوص. لأول مرة يجد «الفرنكوفونيون» أنفسهم في وضعية دفاع، و«الوطنيون» في حالة هجوم. في انقلاب 1992 وما أعقبه من طغيان وسفك للدماء، حدث العكس وتعرض «الوطنيون» لاضطهاد كبير على يد النظام الحاكم وأذرعه المتنوعة. آنذاك كان الشارع مسحوقا ومغيَّبا. اليوم يستمر الخلاف، ويبدو أكثر بروزا في الأوساط الإعلامية والسياسية، لكن في حضور الشارع الذي يسير وفق منطقه غير مكترث لهؤلاء وأولئك.

ويشير رباحي إلى أنه لحد الآن يبدو الشارع صامداً على أكثر من جبهة.. جبهة النظام وبقاياه، وأيضا جبهة المعسكرين المتناحرين عقائديا، كما ورد آنفا. ومن المفارقة أن صمود الشارع قد يحمل الخلاص للنظام من ورطته إذا استمع الأخير لنبض التظاهرات ومطالبها، وهي ليست تعجيزية، بالمناسبة، إلا لمن يرفضها فيبحث لرفضه إياها مسوغات.

ويقول الكاتب الصحفي إن الوجه الأبرز للنظام هو قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح. ومثلما حرره الشارع من العهدة الخامسة ومن عائلة وزمرة بوتفليقة، يستطيع أن ينقذه اليوم من مأزق خطته وتمسكه بحرفية الدستور. إنقاذ قايد صالح يكفي لأنه الممسك بأغلب المفاتيح. لكن كي يتحرر، عليه أن يستمع لنبض الشارع ويثق فيه، ويؤمن بأن هذا الشارع، بعيوبه ومزاياه وتناقضاته، هو شريك ضروري له.

ويشدد رباحي على أن الكرة في ملعب «القايد»، وطريقة قذفه لها ستحدد خط سير الجزائر نحو مصيرها.

مواضيع متعلقة

الطلبة يفتتحون مظاهرات رمضان: لن نصوم عن الحراك

Admin

مصادر: المحكمة العسكرية تستدعي 20 صحفيا

Admin

مظاهرات جديدة للطلبة تهتف: قايد صالح ديقاج

Admin